(هذه المقالة مستخلصة من إحدى محاضرات الدورة التدريبية Startup School 2006)
تتطور الشركات الناشئة التي أسسناها حتى الآن بسرعة فائقة، لكن يبدو أن بعضها أسرع من بعض في استيعاب الدروس، وأعتقد أن هذا يرجع إلى أن بعض جوانب الشركات الناشئة قد تكون غير بديهية.
لقد استثمرنا في عدد وافٍ من الشركات لدرجة أني اهتديت إلى حيلة لتحديد تلك الجوانب: وهي التي أضطر إلى تكرارها باستمرار.
سأستقصي ههنا هذه النقاط لعلي أتمكن من تطوير ما يشبه ترميز هوفمان مع الشركات الناشئة المستقبلية، بحيث أحيلهم على الرقم مباشرة لقراءتها عوضًا عن تكرار التفاصيل.
1. الإطلاق المبكر
لعل أكثر ما أكرره على الشركات الناشئة: سارع بإطلاق الإصدار الأول، ثم حسّنه بناءً على ردود فعل المستخدمين.
لكن بقولي "الإطلاق المبكر" لا أحثك على أن تطرح منتجًا مليئًا بالأخطاء، بل أعني منتجًا بسيطًا، فالمستخدمون يكرهون الأخطاء لكنهم لا يمانعون في إصدار أولي بسيط ما دامت التحديثات آتية قريبًا.
تتعدد الأسباب التي تجعل إطلاق الإصدار الأولى بسرعة أمرًا مجزيًا، منها أن هذه هي الطريقة المثلى لكتابة البرمجيات، سواء كانت لشركة ناشئة أم لغيرها. أقول هذا منذ عام 1993 ولم أجد ما يخطّئني حتى الآن. لقد شهدت انهيار العديد من الشركات الناشئة بسبب بطئها الشديد في طرح إنتاجها، لكني لم أر شركة تنهار بسبب سرعتها[1].
مما سيفاجئك عند بناء منتج يحظى بالقبول أنك لن تعرف المستخدمين. يتصفح موقع Reddit الآن نحو نصف مليون زائر فريد شهريًا. من كل هؤلاء الناس؟ ليس لديهم أدنى فكرة عن هويتهم، وكذلك لا سبيل لأن تعرف أي شركة ناشئة زائري موقعها. وبناء على ذلك، فتخمين ما سينال إعجابهم ضرب من المخاطرة، الأفضل أن تطرح إصدارك وتدعهم يخبرونك بما يريدون.
تبنّت شركةWufoo هذا المبدأ وأطلقت أداة بناء النماذج قبل اكتمال قاعدة البيانات الأساسية. ومع أن المنتج لم يكن قابلًا للاستخدام الفعلي، فقد جربه 83000 شخص لاستكشافه، مما زود Wufoo بملاحظات قيمة: فمثلًا اشتكى مستخدمو Linux من الإفراط في استخدام الوميض، فأعادت تصميم برمجياتها لتلافي الأمر. ولو أنهم انتظروا لإطلاق كل شيء دفعة واحدة، لما اكتشفوا هذه المشكلة حتى غدت متأصلة في نظامهم.
يظل الإطلاق السريع مهمًا حتى في حال انعدام المستخدمين، ذلك لأن الإصدار الأولي بمثابة فترة تجريبية للشركة الناشئة. فإن ظهر خلل جسيم -كأن يتبين أن الفكرة ليست مجدية، أو إن أثيرت البغضاء بين المؤسسين- فإن ضغوط إطلاق هذا الإصدار الأولي سيكشف كل شيء، ومن الأفضل اكتشاف مثل هذه المشكلات مبكرًا.
ولعل أهم سبب للإطلاق المبكر هو أنه يدفعك للعمل بجد. فعندما تعمل على منتج لم يُطلق بعد ترى المشكلات باعثة على الاهتمام، أما عند خروجه إلى العلن تتحول المشكلات إلى نذير بالخطر. يغدو الوضع أكثر إلحاحًا بمجرد الإطلاق، وأظن أن هذا هو السبب الذي يدفع الناس للتسويف، إذ يعلمون أنهم سيضطرون إلى بذل جهد مضاعف حينما يصير المنتج بين أيدي الناس[2].
2. مواصلة ضخ المزايا
للإطلاق المبكر شق آخر لا تكتمل النصيحة من دونه، فإن كنت ستبدأ بمنتج بسيط لا يقدم الكثير فالأفضل أن تسارع في تحسينه.
أكرر دائمًا نصيحة "ضخ المزايا باستمرار"، وهذه القاعدة لا تقتصر على المراحل الأولية، بل ينبغي أن تتبعها أي شركة تود أن تحافظ على هويتها كشركة ناشئة.
لست أعني بالطبع أن تزيد تطبيقك تعقيدًا، بل أقصد بـ "الميزة" وحدة برمجية واحدة، أي قدرًا من التطوير يضيف قيمة لتجربة المستخدم.
وكما هو الحال مع ممارسة الرياضة، فإن التحسينات تأتي تباعًا. فمثلًا إن واظبت على الركض كل يوم فقد تشعر بالرغبة في الركض اليوم التالي، أما إن انقطعت أسبوعين فستبذل جهدًا حتى تحمل نفسك على الرجوع مرة أخرى. وكذلك الحال مع البرمجة: كلما نفذت أفكارًا أكثر، تدفقت إلى ذهنك أفكار أخرى. ينبغي أن تحسّن نظامك ولو بلمسة بسيطة كل يوم أو يومين على الأقل.
وهذا المبدأ ليس مجرد أسلوب حسن للتطوير، لكنه شكل من أشكال التسويق أيضًا. يحب المستخدمون التطوير المستمر للمواقع، بل ويتوقعون ذلك. تخيّل أنك زرت موقعًا بدا رائعًا، ثم عدت إليه بعد شهرين لتجده كما هو دون أي تغيير، ألن يبدو في نظرك حينها فاقدًا لحيويته؟[3]
بل سيزداد تقدير المستخدمين لك عندما يأتي تطويرك استجابةً لتعليقاتهم، ذلك لأن العملاء اعتادوا تجاهل الشركات لهم. فإن كنت من الاستثناء النادر -أي شركة تستمع لعملائها بحق- فستحظى بولاء منقطع النظير، ولن تحتاج إلى الإعلانات لأن المستخدمين سيتولون مهمة الترويج نيابة عنك.
يبدو الأمر بديهيًا، فلماذا إذًا أُكثر من تكراره؟ أرى أن المشكلة تكمن في اعتياد الناس على الأوضاع الراهنة، فبمجرد أن يتجاوز المنتج مرحلة العيوب الصارخة، يعتاد المرء عليه، وتصير مزاياه تدريجيًا هوية له. على سبيل المثال، أشك أن الكثيرين في ياهوو (أو حتى جوجل) كانوا يدركون قدر التحسين الذي قد يطرأ على خدمة البريد الإلكتروني حتى أراهم بول باشيت.
أعتقد أن الحل يكمن في افتراض أن أي شيء تقدمه ما زال بعيدًا كل البعد عن كامل إمكاناته. أرغم نفسك على مواصلة التفكير في التحسينات كنوع من التمرين الفكري. لنسلّم جدلًا بأن منتجك مثالي، لكن إن اضطررت إلى تغيير شيء، فماذا سيكون؟
إن بدا منتجك مكتملًا فهناك تفسيران: إما أنه مكتمل بالفعل، أو أنك تفتقر إلى الخيال. والتجربة تقول إن الاحتمال الثاني هو الراجح ألف مرة.
3. إسعاد المستخدمين
يعد التحسين المستمر مثالًا لقاعدة أعم: وهي إسعاد المستخدمين. السمة المشتركة بين الشركات الناشئة كافة أنها ليس بوسعها أن تجبر أحدًا على فعل شيء، فلا تملك إلزام أحد باستخدام برامجها، أو إبرام صفقات معها. وبالتالي فلا بد أن تقدّم حتى تجد مقابلًا، وهذا سبب ابتكار الشركات الناجحة منتجات عظيمة، فإما أن تفعل ذلك أو تنهار.
عندما تدير شركة ناشئة ستشعر أنك ذرة غبار تتقاذفك رياح عاصفة. وأقوى هذه الرياح هي المستخدمين، فإما أن يتلقفوك ويحلقوا بك إلى السماء كما فعلوا مع جوجل، أو يتركوك صريعًا على الأرض، كما هو الحال مع أكثر الشركات الناشئة. إن المستخدمين رياح متقلبة، لكنهم أقوى من أي شيء آخر، فإن رفعوك فلا سبيل لأن يحط منك أي منافس.
وبما أنك ذرة غبار صغير، فالخيار المنطقي ليس أن تستسلم وتبقى طريحًا، بل ينبغي أن تكيّف نفسك على الهيئة التي تلتقطها الرياح.
تروق لي استعارة الرياح هذه لأنها تذكّرني بمدى موضوعية تدفق الزائرين، فالأغلبية العظمى ممن يزورون موقعك زوّار عابرون، وهؤلاء هم من تصمم الموقع لأجلهم. أما مَن يهتم بحق فسيجدون ما يريدونه بأنفسهم.
يدخل الزائر العادي الموقع وأصبعه متأهبة للضغط على زر الرجوع. تأمل في تجربتك الخاصة ستجد أن أكثر الروابط التي تضغط عليها تقودك إلى شيء بلا قيمة. وبالتالي فكل مَن استخدم الشبكة لأكثر من أسبوعين قد تبرمج على النقر على زر الرجوع فور اتباع رابط. ولذلك يجب أن يقول موقعك "مهلًا! لا تضغط على زر الرجوع، هذا الموقع ليس رديئًا. ألقِ نظرة على هذا مثلًا".
عليك بأمرين كي تجعل الناس يتمهلون: أولًا والأهم أن توضح ما يُعنى به موقعك بأقصر عبارة ممكنة. كم مرة زرت موقعًا كأنه يفترض أنك تعلم بالفعل ما يقدمه؟ خذ مثالًا موقع الشركة الذي يقول إنها تقدم
حلولًا مؤسسية لإدارة المحتوى للأعمال بحيث تمكّن من توحيد الأفراد والمحتوى والعمليات لتقليل مخاطر الأعمال لأدنى حد، وتسريع الوقت اللازم لتقديم القيمة، ودوام خفض التكلفة الإجمالية للملكية
قد لا تتضرر الشركة الراسخة من مثل هذا الوصف المبهم، أما الناشئة فالأمر يختلف. لا بد أن توضح الشركة الناشئة في جملة أو اثنتين طبيعة عملها بالضبط[4]، وهذا ليس مقتصرًا على المستخدمين، بل لا بد من توضيحه للجميع: المستثمرين، المشترين، الشركاء، الصحفيين، الموظفين المحتملين، بل والموظفين الحاليين. لعل من الأفضل ألا تبدأ شركة تقوم بشيء لا تستطيع وصفه بأسلوب مقنع وجذاب في جملة أو اثنتين.
النصيحة الثانية التي أكررها هي أن تعطي الناس كل ما تملكه فورًا. إن كان لديك شيء مبهر فحاول أن تضعه في الصفحة الرئيسية، لأنها الصفحة الوحيدة التي سيراها أكثر الزائرين. وهنا تكمن المفارقة: كلما جعلت الجوانب الحسنة في الصدارة، زادت احتمالية إقبال الزوار على استكشاف المزيد[5].
يندمج هذان المقترحان معًا في أفضل الحالات: أن تخبر الزائرين بما يُعنى به موقعك من خلال عرضه. من النصائح الجوهرية في كتابة الروايات "أظهر ولا تقل"، فلا تكتف بقول إن الشخصية غاضبة، بل اجعله يجز على أسنانه أو يكسر قلمه نصفين. لا شيء سيوضح طبيعة موقعك أفضل من تجربة استخدامه.
المصطلح المستخدم في المجال هو "التحويل"، فمهمة موقعك تتمثل في تحويل الزائرين العابرين إلى مستخدمين، أيًا كان تعريفك للمستخدم. بوسعك أن تقيس نجاحك في هذا بمعدل نموك. فإما أن يكتسب موقعك زخمًا وإما لا، ولا بد أن تكون على علم بأي المسارين تسلك. فإن حققت نموًا مقبولًا ستفوز في النهاية مهما كنت مغمورًا الآن، وإلا فهناك خلل لا بد من إصلاحه.
4. ليكن خوفك في محله
مما دأبت على تكراره أيضًا "لا تقلق"، لكني أقول غالبًا "لا تقلق من هذا، بل اقلق من ذاك". الشركات الناشئة محقة في توجسها، لكنها أحيانًا تخاف مما لا يستحق الخوف منه.
إن معظم الكوارث الواضحة ليست بالسوء الذي تبدو عليه، بل هي أمر طبيعي في مسيرة الشركات الناشئة: استقالة أحد المؤسسين، اكتشاف براءة اختراع تشمل ما تفعله، تعطل الخوادم، مواجهة مشكلة تقنية لا حل لها، الاضطرار إلى تغيير اسم الشركة، فشل صفقة ما.. كل هذه أمور معتادة ومتوقعة، ولن تقضي عليك ما لم تسمح لها بذلك.
وكذلك لن يضرك أكثر المنافسين. تساور أكثر الشركات الناشئة مخاوف مثل "ماذا لو طورت جوجل منتجًا مشابهًا لمنتجنا؟" إلا أن الشركات الكبرى ليست هي ما يُخشى منه، ولا جوجل حتى. نعم العاملون بجوجل أذكياء، لكنهم ليسوا أذكى منك، وليس لديهم الحافز الذي تملكه، لأن جوجل لن تفلس إن فشل أحد منتجاتها، كما أن لديها إجراءات بيروقراطية كثيرة تبطّئها.
ليست الكيانات الراسخة هي ما يجدر أن تخشى منه، بصفتك شركة ناشئة، بل تلك الشركات الناشئة التي لا تعلم بوجودها حتى الآن. هؤلاء هم الأخطر من جوجل بمراحل، لأنهم -مثلك- يقاتلون بشراسة من أجل بقائهم.
إن حصر نظرك على المنافسين الحاليين قد يمنحك شعورًا زائفًا بالأمان. ينبغي أن تنافس بناءً على ما يُحتمل أن يفعله شخص آخر، وليس ما تراه أمام عينيك فحسب. النتيجة المنطقية لذلك ألا تركن إلى الراحة لعدم وجود منافسين مرئيين حتى الآن، فمهما كانت فكرتك من المؤكد أن شخصًا آخر في مكان ما يعمل عليها.
هذا هو الجانب السلبي لسهولة تأسيس شركة ناشئة: لست وحدك من يعمل على فكرتك. لكني لا أتفق مع رأي (كاترينا فيك) بأن هذا الزخم يجعل وقتنا الراهن غير مناسب لتأسيس شركة ناشئة. نعم يتزايد عدد المؤسسين للشركات الناشئة، لكنه لم يبلغ ذروته، فمعظم خريجي الجامعات يعتقدون أنه لا بد من الحصول على وظيفة، الشخص العادي لا يستطيع التخلي عن فكرة رُسخت في ذهنه منذ الصغر لمجرد أن تكلفة تشغيل المواقع قد انخفضت مؤخرًا.
وعلى أي حال ليس المنافسون هم الخطر الأكبر، فالشركات الناشئة التي تهلك نفسها بنفسها أكثر بكثير من تلك التي يسحقها المنافسون. هذا يحدث بأشكال عدة، لكن أبرزها: النزاعات الداخلية، الجمود، تجاهل المستخدمين. كل واحد من هذا في حد ذاته كفيل بالقضاء عليك، لكن لو سئلت عن أضرها فسأختار تجاهل المستخدمين. إليك وصفة لشركة ناشئة محكوم عليها بالانهيار: مؤسسون لديهم فكرة عظيمة يثقون بأنها ستعجب الجميع، وهم عازمون على تحقيقها مهما حدث.
جميع الخطط الأولية تقريبًا مآلها إلى الفشل. ولو تمسكت الشركات بخططها الأولية لظلت مايكروسوفت مركزة على منتجات البرمجة، ولظلت آبل تبيع اللوحات الإلكترونية، إلا أن عملاء كلتا الشركتين رسموا المسار الذين ينبغي أن تسلكه، وقد كان المؤسسون أذكياء بما يكفي للإنصات والاستجابة لهم.
كما قال ريتشارد فاينمان: خيال الطبيعة أغنى من خيال الإنسان. لو نظرت إلى العالم ستكتشف أمورًا مثيرة للاهتمام تفوق ما قد تصل له بمجرد التفكير. هذا مبدأ قوي للغاية، وهو يفسر سبب قصور أفضل اللوحات التجريدية عن أعمال ليوناردو على سبيل المثال. وهذا ينطبق على الشركات الناشئة، فلا توجد فكرة لمنتج أذكى من تلك التي يكتشفها المرء باختبار النماذج الأولية مع المستخدمين.
5. الالتزام نبوءة ذاتية التحقق
لقد اكتسبت خبرة في عالم الشركات الناشئة تمكّنني من تحديد أهم صفة يتحلى بها المؤسس، وهي بخلاف ما قد يتبادر إلى ذهنك. أهم صفة يتحلى بها مؤسس الشركة الناشئة هي العزيمة.. ليس الذكاء، بل العزيمة.
هذه فكرة محبطة بعض الشيء، كنت أود أن أعزو نجاح Viaweb لكوننا أذكياء، وليس إلى عزيمتنا، وكذلك كثير ممن هم في عالم الشركات الناشئة، المؤسسون والمستثمرون على حد سواء، إذ تروق لهم فكرة العيش في عالم يحكمه الذكاء، ويتجلى صدق إيمانهم بها في توجيه قراراتهم الاستثمارية بناءً عليها.
كثيرًا ما يستثمر أصحاب رؤوس الأموال في الشركات الناشئة التي أسسها أساتذة جامعيون مرموقون. ولو كان هذا مجديًا في مجال التقنية الحيوية، حيث يركز كثير من الشركات على استثمار الأبحاث الموجودة، فالأجدر في مجال البرمجيات أن تستثمر في الطلاب، وليس الأساتذة. إن مؤسسي مايكروسوفت وياهوو وجوجل جميعهم تركوا التعليم من أجل التفرغ لها. فما يفتقر إليه الطلاب من الخبرة يعوضونه بالعزيمة.
بكل تأكيد العزيمة وحدها لا تكفي إن كنت تريد أن تغدو ثريًا، بل لا بد أن تكون ذكيًا أيضًا، أليس كذلك؟ كان بودي أن أقول إن هذا صحيح، إلا أني مررت بتجربة أقنعتني بخلاف ذلك: عشت عدة سنوات في نيويورك.
قد تفتقر إلى قدر من الذكاء دون أن يضرك ذلك كثيرًا، أما فقدان ولو قدر يسير من الالتزام يقضي عليك سريعًا.
إن إدارة شركة ناشئة تشبه المشي على يديك: أمر ممكن لكن يتطلب جهدًا استثنائيًا. لو طُلب من موظف عادي أن يؤدي المهام المنوطة بالمؤسس لسخط واستاء. تخيل أنك وُظفت في شركة كبيرة وكان يُتوقع منك -إضافة إلى كتابة البرمجيات أسرع بعشر مرات ما اعتدت عليه- أن ترد على مكالمات الدعم الفني، وتدير الخوادم، وتصمم الموقع الإلكتروني، وتتصل بعملاء لا تعرفهم، وتبحث عن مقر للمكتب، وتذهب لإحضار الغداء للجميع.
وهذا كله ليس في أجواء الشركات الكبرى الآمنة والهادئة، بل في خضم أزمات متلاحقة. هنا حيث يتطلب الوضع عزيمة حقيقة. لا تنقطع الكوارث عن الشركات الناشئة، فلو كنت أقل الناس ميلًا إلى الانسحاب، فستجد عذرًا يدعوك لذلك.
إن غياب الالتزام يضرك على الأرجح قبل وقت طويل من استسلامك. كل من يتعامل مع شركة ناشئة يعلم مدى أهمية الالتزام، فلو أحسوا بأنك متردد فلن يعيروك اهتمامًا. إن كنت تفتقر إلى الالتزام فسترى -لأسباب غامضة- أن الأقدار الحسنة تصيب منافسيك دونًا عنك، وستشعر أن حظك عثر.
أما لو كنت عازمًا على الاستمرار، فسينتبه لك الناس لاحتمالية أنهم سيضطرون إلى التعامل معك لاحقًا. أنت لست عابر سبيل، فسيجبر الجميع على التسليم بوجودك.
أحيانًا في Y Combinator نموّل عن طريق الخطأ فرقًا تتعامل مع الشركات الناشئة على أنها تجربة لمدة ثلاثة أشهر، لو حدث شيء عظيم سيتمسكون بها، والمقصود بـ "شيء عظيم" هنا أن يشتريها أحدهم أو أن يستثمر فيها ملايين الدولارات. إن كانت عقليتك كذلك، فمن المستبعد أن يحدث "شيء عظيم"، لأن كلًا من المشترين والمستثمرين يحكمون عليك بناءً على مستوى التزامك.
أما لو اعتقد المشتري أنك ملتزم مهما حدث فسيشتري شركتك على الأرجح، لأنه إن لم يفعل وبقيت أنت على التزامك فمن المحتمل أن تنمو وترتفع قيمتك وسيتمنى لو كان عجّل بالشراء. وكذلك الحال بالنسبة للمستثمرين، فليست العوائد هي المحرك الحقيقي لهم -حتى كبار أصحاب رؤوس الأموال- بل الخوف من فوات الفرصة[6]. فإن وضّحت أنك ستنجح مهما حدث، وأن السبب الوحيد لاحتياجك لهم هو تسريع وتيرة النجاح، فمن المحتمل جدًا أن تحصل على المال.
هذا أمر لا يمكن التظاهر به، فالطريقة الوحيدة لإقناع الجميع بأنك مستعد للقتال حتى آخر رمق هي أن تكون مستعدًا فعلًا.
ومع ذلك لا بد أن تتحلى بالنوع الصحيح من العزيمة. آثرت لفظة "العزيمة" على "العناد" لأن العناد صفة كارثية في الشركة الناشئة. لا بد أن تجمع بين العزيمة والمرونة، كالمهاجم المراوغ في كرة القدم الذي لا يكتفي بالهجوم الأعمى، بل يرتجل: فإن ظهر أحد أمامه ركض حوله، وإن حاول أحدهم أن يجذبه أفلت من قبضته، بل ويغير مساره مؤقتًا إن كان ذلك في صالحه. الشيء الوحيد الذي لن يفعله هو أن يقف مكانه بلا حراك[7].
6. ساحة الابتكار ليس لها حد
كنت أتحدث مؤخرًا مع مؤسس شركة ناشئة حول جدوى إضافة عنصر اجتماعي إلى برنامجه، فقال إنه لا يرى ذلك لأن الساحة الاجتماعية مشبعة بالفعل. أحق هذا؟ أيعقل أن تقتصر مواقع التواصل الاجتماعي بعد مئة سنة من الآن على فيسبوك، وماي سبيس، وفليكر، وديليشوس؟ هذا مستبعد.
يوجد دائمًا متسع لكل ما هو جديد. ففي كل مرحلة من التاريخ، حتى في أحلك الأوقات من العصور المظلمة، كان الناس يكتشفون أشياء تجعل الجميع يتساءلون "كيف غابت عنا هذه الفكرة؟" وهذه الحقيقة قائمة حتى عام 2004 حين تأسس فيسبوك، مع أن هناك مَن فكر فيه إن توخينا الدقة.
يكمن سبب عدم ملاحظتنا للفرص التي تحيط بنا أننا نعتاد ما حولنا ونفترض أن هذا واقع لا بديل له. على سبيل المثال، يرى معظم الناس أن محاولة إنشاء محرك بحث يفوق جوجل فكرةً مجنونة، لأن هذا المجال قد بلغ منتهاه. حقًا؟ هل سيظل الناس بعد مئة سنة -أو حتى عشرين- يبحثون عن المعلومات خلال أداة مثل جوجل؟ الأرجح أن جوجل نفسها لا ترى ذلك.
أعتقد على وجه الخصوص أنه لا حد لعدد الشركات الناشئة. أحيانًا تسمع مَن يقول "كل هؤلاء الذين يؤسسون شركات ناشئة سيصيبهم الإحباط، فكم شركة يا تُرى ستشتريها جوجل وياهو في النهاية؟" يبدو هذا تشكيكًا ذكيًا، لكني سأثبت خطأه. لا أحد يفترض أن هناك حد لعدد مَن يمكن توظيفهم في اقتصاد يقوم على الشركات الكبرى بطيئة الخطى يضم كل منها آلاف الموظفين. فلمَ يجب أن يكون هناك حد لعدد مَن يمكن توظيفهم في شركات صغيرة سريعة الخطى يضم كل منها عشرة موظفين؟ يبدو لي أن الحد الوحيد هو عدد المستعدين للعمل الجاد الدؤوب.
إن سقف الشركات الناشئة ليس مقيدًا بالعدد الذي قد تستحوذ عليه جوجل وياهوو -مع أنه يفترض ألا يكون لهذا العدد أيضًا حد ما دامت تلك الشركات تستحق الشراء- بل قدر الثروة التي تكوّنها. ولا أعتقد أن هذا له حد إلا ما يتعلق بالسنن الكونية.
من الناحية العملية إذًا لا حد لعدد الشركات الناشئة، فهي سبيل لتحقيق الثروة بتلبية احتياجات الناس. وإن كان هناك حد لما يطلبه الناس، لما وصلنا لما نحن فيه. أنا مثلًا لم أحصل على السيارة الطائرة التي أبغيها حتى الآن.
7. لا ترفع سقف توقعاتك
هذه نصيحة أخرى دأبت على تكرارها قبل وقت طويل من تأسيس Y Combinator، كما كانت الشعار الرسمي لشركة Viaweb.
إن مؤسسي الشركات الناشئة متفائلون بطبعهم، ولولا التفاؤل لما أقدموا على هذه الخطوة. لكنك ينبغي أن تتعامل مع تفاؤلك كما تتعامل مع مفاعل نووي: فهو مصدر للطاقة لكنه شديد الخطورة، وبالتالي لا بد أن تبني حوله درعًا واقية وإلا سيحرقك.
لكن درع المفاعل ليست مصمتة، ولو كانت كذلك لمَا كان للمفاعل فائدة، بل لا بد من وجود فتحات لإمرار الأنابيب، وكذلك ينبغي أن يكون درع التفاؤل. أرى أن الخط الفاصل يكمن في التمييز بين ما تتوقعه من نفسك وما تتوقعه من الآخرين. لا بأس أن تكون متفائلًا بشأن ما ستفعله، لكن افترض الأسوأ فيما يخص الآلات والآخرين.
هذا ضروري خاصة في الشركات الناشئة لأنك ستميل إلى الوصول لأقصى حدود الممكن. وبالتالي لا تسير الأمور بتلك السلاسة والطريقة المتوقعة كما هو الحال في بقية العالم، بل تتبدل الأحوال فجأة، وللأسوأ غالبًا.
تعد الصفقات أهم موضع لتحصين تفاؤلك. إن كانت شركتك الناشئة بصدد صفقة فافترض أنها لن تتم، أصحاب رؤوس الأموال الذين يعدونك بالاستثمار لن يوفوا، الشركة التي أبدت رغبتها في الشراء لن تشتري، العميل المهم الذي يزعم أنه سيعتمد نظامك في شركته بأكملها لن يفعل. ثم إن كُتب لك التوفيق ستكون مفاجأة سارة.
لست أحذر الشركات الناشئة من رفع سقف آمالهم لتجنيبهم الإحباط لو فشل الأمر، بل لسبب أكثر واقعية: وهو منعهم من أن تركن شركتهم إلى شيء آيل إلى الانهيار فتنهار معه.
فمثلًا لو أبدى أحدهم رغبة في الاستثمار بشركتك فستميل فطريًا إلى إيقاف البحث عن مستثمرين آخرين. وهذا هو سبب الإيجابية التي يبديها المفاوضون: يريدونك أن تكف عن البحث. وأنت كذلك تريد التوقف، لأن إبرام الصفقات فيه مشقة. إلا أن جمع المال بالأخص يستغرق وقتًا طويلًا، فلا بد أن تجبر نفسك بوعي تام على مواصلة البحث.
حتى ولو انتهيت إلى إبرام الصفقة الأولى، فإن مواصلة البحث ستكون في صالحك لأنك ستحصل على شروط أفضل. إن الصفقات ديناميكية، ما لم تكن تتفاوض مع شخص بلغت أمانته مستوى نادرًا، فلا توجد لحظة تستقر فيها الأمور بمجرد المصافحة، بل عادة ما تظهر تفاصيل ثانوية كثيرة يلزم البت فيها بعد ذلك، ولو أحس الطرف الآخر بضعفك -أو بحاجتك إلى هذه الصفقة- فيسنتهز الفرصة للغبن بك.
إن المستثمرين ومسؤولي تطوير الشركات مفاوضون محترفون، فقد تدربوا على استغلال نقاط الضعف[8]. ومع أنهم لطفاء غالبًا، فلا يستطيعون الانفكاك عن هذه السمة. وبحكم احترافهم فهم يفعلون ذلك أكثر منك، وبالتالي فلا تحاول خداعهم. إن السبيل الوحيدة ليكون للشركة الناشئة نفوذ في الصفقة هي ألا تكون بحاجة حقيقية إليها. وإن لم تكن مؤمنًا بالصفقة ستقل احتمالية ركونك إليها.
ولذا أريد أن أغرس في ذهنك فكرة ساحرة: حين تسمع أحدهم يقول "نريد أن نستثمر في شركتك" أو "نريد أن نشتري شركتك" اجعل العبارة التلقائية التي تتبادر إلى ذهنك: لا ترفع سقف توقعاتك. واصل إدارة شركتك وكأن هذه الصفقة لا وجود لها، فلا شيء سيوصلها إلى التمام مثل هذا التجاهل.
إن السبيل للنجاح في الشركات الناشئة هو التركيز على جمع أكبر عدد من المستخدمين ومواصلة السعي نحو هذا الهدف بسرعة، بينما يحاول المستثمرون والمشترون إغراءكم بالعروض المالية.
السرعة مقدمة على المال
قد يبدو تأسيس شركة ناشئة، بحسب وصفي، أمرًا مجهدًا للغاية، وهو كذلك. عندما أتحدث مع مؤسسي الشركات التي مولناها يقولون جميعهم نفس العبارة: كنت أعلم أن الأمر صعب، لكن لم أتخيل أنه بهذه الصعوبة.
فلم يقدمون عليه إذًا؟ قد يستحق الأمر تحمل قدر كبير من الألم والضغوط في سبيل هدف عظيم أو بطولي، لكن ماذا عن جني المال؟ هل هو بهذه الأهمية؟
في الواقع لا. أرى الأمر باعثًا على السخرية حين يأخذ الناس عالم الأعمال بجدية أكثر مما ينبغي، إذ أعتبر جمع المال مهمة مملة يجب إنجازها في أسرع وقت ممكن. لا شيء عظيم أو بطولي في تأسيس شركة ناشئة في حد ذاته.
فلم إذًا أستغرق وقتًا طويلًا في التفكير في الشركات الناشئة؟ السبب هو أن الشركة الناشئة من الناحية الاقتصادية ليست سبيلًا للثراء، بل وسيلة للعمل بسرعة. لا بد أن تسعى لكسب عيشك على أي حال، والشركة الناشئة وسيلة لتحقيق هذا المقصد بسرعة، بدلًا من استنزاف عمرك فيه[9] .
الحياة البشرية عجيبة حقًا، إلا أننا غافلين عن ذلك. لكنها قصيرة أيضًا، فبمجرد أن تُعطى هذه النعمة العظيمة تُسلب منك فجأة. ترى الناس يخترعون آلهة حتى يجدوا تفسيرًا لذلك، بل حتى أولئك الذين لا يؤمنون بإله يقرون بأن الحياة تفرض هيبتها. تمر علينا جميعًا أيام ضبابية، وحينها نشعر بأننا نهدر شيئا ثمينًا. كما قال بنجامين فرانكلين: لو كنت تحب الحياة فلا تضيّع الوقت، فالوقت مادة الحياة.
خلاصة القول، جمع المال لا يحمل في جوهره قيمة خاصة، وليس هو ما يجعل الشركات الناشئة تستحق عناء التجربة. أهمية هذه الشركات تكمن في السرعة، فضغط مهمة كسب العيش المملة -والضرورية- في أقصر وقت ممكن ينبئ عن احترامك للحياة، وفي هذا تكمن العظمة.
المصدر:
https://paulgraham.com/startuplessons.html
[1] قد تنهار الشركات الناشئة بسبب طرح منتج مليء بالأخطاء وعدم التدارك بالإصلاح السريع، لكني لا أعرف شركة انهارت من الإطلاق المبكر لإصدار مستقر، رغم كونه بسيطًا، ثم العمل على تحسينه بسرعة.
[2] أعلم يقينَا أن هذا سبب إحجامي عن إطلاق Arc، فما إن يكون بين أيدي الجمهور سينهمرون عليّ بطلبات المزايا الجديدة.
[3] يختلف الموقع الإلكتروني عن الكتاب أو الفيلم أو تطبيق الحاسوب من هذا الجانب. فالمستخدمون لا يحكمون على الموقع بوصفه صورة ثابتة، بل يتصورونه مشهدًا متحركًا ذا أطر متعددة. ورأيي أن معدل التحسين أهم عند المستخدمين من المستوى الحالي الذي وصلت إليه.
[4] ومع ذلك لا ينبغي دائما أن تعلن الشركة غرضها للمستخدمين، فمثلا يعد MySpace في الأساس مركز تسوق بديلا لهواة التسوق، إلا أنه كان من الحكمة أن يتظاهروا في البداية بأن الموقع معني بالفرق الموسيقية.
[5] وكذلك لا تشترط على المستخدمين التسجيل لتجربة موقعك. قد يكون ما تقدمه ثمين لدرجة حمل المستخدمين على التسجيل عن طيب خاطر للحصول عليه، لكنهم قد تبرمجوا على توقع العكس، لأن أكثر ما جربوه على الشبكة كان رديئًا، خاصة ما أجبرهم على التسجيل.
[6] لأصحاب رؤوس الأموال أسباب منطقية لهذا السلوك. فهم لا يجنون أرباحا (إن كان من أرباح أصلا) من الاستثمارات المتوسطة. ففي أي صندوق استثماري عادي يفشل نصف الشركات، ويحقق أغلب البقية عوائد متواضعة، بينما لا ينجح نجاحًا مبهرًا سوى شركة أو اثنتين. وبالتالي فتفويت بعض الفرص الواعدة قد يقوّض الصندوق بأكمله.
[7] عقلية المهاجم المراوغ ليست مجدية في كرة القدم، فمع أن مراوغة المهاجم لعدة لاعبين قد يبدو رائعا، فاللاعب الذي يصر على هذه الحركات سيكون أداؤه أدنى على المدى البعيد مقارنة بمن يمرر الكرة.
[8] نحن Y Combinator لا نتفاوض بشأن تقييمات الشركات لأننا لسنا متفاوضين محترفين، ولا نريد أن نكون كذلك.
[9] يوجد طريقان للعمل فيما تحب: (1) أن تجمع المال ثم تتفرغ لما تحب. (2) أن تجد وظيفة تتقاضى فيها أجرًا مقابل العمل على ما تحب. من الناحية العملية: تتألف المراحل الأولى في كلا الخيارين من أعمال شاقة خالية من المتعة، إلا أن المراحل المتقدمة من الخيار الثاني أقل أمانًا.
