كتابة: بول جراهام
ترجمة: يارا عمار
(استُخلصت هذه المقالة من محاضرة استُضفت لإلقائها في مساق الشركات الناشئة الذي يقدمه سام ألتمان في جامعة ستانفورد. ومع أنها موجهة في الأصل للطلاب الجامعيين، فإن جل محتواها ينطبق على المؤسسين المحتملين أيًا كانت أعمارهم).
من مزايا أن يكون للمرء أبناء أنه عندما تسدي لأحد نصيحة تسأل نفسك "ماذا سأقول لأبنائي؟" ومع أن أبنائي ما زالوا صغارًا، فبوسعي أن أتخيل ما سأخبرهم به عن الشركات الناشئة لو كانوا طلابًا جامعيين، وهذا تحديدًا ما سأحدثكم عنه.
إن الشركات الناشئة أبعد ما تكون عند البداهة. لستُ متيقنًا من السبب، لعله أن المعرفة بها لم تتغلغل في ثقافتنا بعد. أيًا كان السبب، تأسيس شركة ناشئة مهمة لا يسعك فيها أن تثق بحدسك دائمًا.
الأمر أشبه بالتزلج: عندما تخوض التجربة الأولى وتريد أن تبطّئ سيوجهك حدسك إلى أن تميل بجسدك إلى الوراء. لكنك إن فعلت ستفقد السيطرة وتنحدر بسرعة رهيبة. ومن ثم، فكبح جماح هذا الدافع جزء من تعلم التزلج. ستكتسب مع الوقت عادات جديدة، لكن يلزم في البداية أن تبذل جهدًا واعيًا، إذ تحاول أن تستحضر قائمة من القواعد وأنت تتأهب للنزول من التل.
كذلك الشركات الناشئة تشبه التزلج في غرابتها، ولذلك وُضعت لها قائمة مماثلة من الأمور التي يلزم مراعاتها. سأقدم لكم ههنا الجزء الأول منها: ما يجب أن تستحضره وأنت تعد نفسك لتأسيس شركة ناشئة.
مخالفة الحدس
أول عنصر في هذه القائمة هو ما أسلفت ذكره: أن الشركات الناشئة غريبة لدرجة أنك لو وثقت بحدسك ستقع في أخطاء كثيرة. لو لم تدرك سوى هذه المعلومة فقد تتريث على الأقل قبل أن تقع في حبائلها.
حين كنت أدير Y Combinator كنت أمزح قائلًا إن مهمتنا هي إخبار المؤسسين بأمور سيضربون بها عرض الحائط، وكان ذلك هو الواقع صدقًا. تمر دفعة تلو الأخرى، ويحذر شركاؤنا المؤسسين من أخطاء على وشك أن يقعوا فيها، ولكنهم يتجاهلون، ثم يعودون بعد سنة وهم يعضون أصابع الندم ويقولون "يا ليتنا أصغينا".
لماذا يتجاهل المؤسسون نصائح الشركاء؟ هنا يتجلى مفهوم المخالفة للحدس: لأنها تخالف حدسهم، ولمّا يرونها مجانبة للصواب سيكون أول دافع لهم هو نبذها. إن مزحتي هذه ليست لعنة Y Combinator ، بل هي أحد أسباب وجودها. لو كان حدس المؤسسين يوجههم للصواب لما كانوا بحاجة إلينا، فالمرء لا ينشد من الآخرين سوى النصائح التي تغيب عن إدراكه. ولهذا السبب يوجد الكثير من مدربي التزلج، ولا يوجد مثل هذه الكثرة بين مدربي الركض[1].
لكن بوسعك أن تثق بحدسك فيما بالبشر. بل إنه من أكثر الأخطاء شيوعًا بين صغار المؤسسين عدم الاكتراث بحدسهم تجاه الأفراد، فتراهم يتعاملون مع أشخاص مبهرين في الظاهر، مع أن لديهم توجسات تجاههم على المستوى الشخصي. ثم تسوء الأمور فيما بعد فيقولون "كنت أعلم أن فيه شيئا مريبًا، لكني تجاهلته لمظهره المُبهر".
لو كنت بصدد التعامل مع شخص -مؤسس مشارك مثلًا أو موظف أو مستثمر أو مشتري- وفي نفسك ريبة تجاهه، فثق في غريزتك. لو بدا لك مراوغًا أو مخادعًا أو وقحًا، فلا تتجاهل هذا الشعور.
هذه حالة يجدي فيها أن تتبع هواك. لا تعمل إلا مع مَن ترتاح لهم بصدق، ومَن تعرفهم قبل مدة كافية لتكون على بينة من أمرهم.
الخبرة
الأمر الثاني المخالف للحدس أنه لا يهم أن تكون على معرفة واسعة بالشركات الناشئة. ليست الخبرة بالشركات الناشئة هي سبيل النجاح فيها، بل الخبرة بالمستخدمين وبالمشكلة التي تسعى لحلها من أجلهم. لم ينجح مارك زوكربيرغ لخبرته، بل كان غرًا في عالم الشركات الناشئة، لكنه فهم المستخدمين فهمًا عميقًا.
لا تبتئس لو كنت لا تدري شيئًا عن موضوعات مثل حشد الاستثمار الأولى، فمثل هذه الأمور ستتعلمها حين الحاجة إليها، ثم تنساها بعد الفراغ منها.
بل أخشى أن أقول إن الاستغراق في أدق التفاصيل عن آليات الشركات الناشئة ليس أمرًا ثانويًا فحسب، بل قد يكون خطيرًا. لو قابلت طالبًا جامعيًا ملمًا بكل ما يخص السندات القابلة للتحويل أو عقود الموظفين أو الأسهم من فئة FF (لا قدر الله) فلن أقول "إنه سابق لأقرانه" بل سأرى الأمر نذيرًا. ذلك لأنه من الأخطاء النمطية لصغار المؤسسين اتباع الإجراءات الشكلية لتأسيس شركة ناشئة، فيأتون بفكرة مقنعة في الظاهر، ويحصلون على التمويل عند ارتفاع قيمة الشركة، ويستأجرون مكتبًا فاخرًا، ويوظفون مجموعة من الأفراد. يبدو هذا ما تفعله الشركات الناشئة. لكن الخطوة التي تلي استئجار المكتب وتوظيف الأفراد: أن يدركوا تدريجيًا أنهم في ورطة، لأنهم قلدوا جميع المظاهر الخارجية للشركة الناشئة وأغفلوا الركن الأساسي: تقديم شيء يرغبه الناس.
اللعبة
رأينا هذا المشهد مرارًا وتكرارًا حتى أطلقنا عليه اسمًا: تقمص الأدوار، ثم أدركت سببه مع مرور الوقت. ما يدفع صغار المؤسسين إلى اتباع المظاهر الروتينية لتأسيس شركة ناشئة أنهم قد تدربوا على ذلك طوال حياتهم. تأمل مثلًا فيما يتعين عليك فعله حتى تلتحق بالجامعة: إنجاز مجموعة من الأنشطة الصيفية. بل حتى في قاعات الدراسة الجامعية نفسها أكثر المهام صورية ومفتعلة كالركض في حلقة مفرغة.
لست أهاجم النظام التعليمي لكونه على هذه الشاكلة. سيوجد لا محالة قدر من الزيف في مرحلة التعلم، وعند قياس الأداء سيستغل الناس الفجوة حتى تغدو النتائج انعكاسًا لهذا الزيف عوضًا عن التعلم الحقيقي.
أعترف أني ارتكبت ذلك وأنا بالجامعة. كنت أجد أكثر المساقات ليس فيها سوى 20 أو 30 فكرة تصلح لتكون أسئلة اختبار. وعند المذاكرة للاختبارات لم أكن أتقن المادة كلها (إلا مصادفة)، بل أضع قائمة من الأسئلة المحتملة وأعد إجاباتها مسبقًا. ولما يحين الاختبار النهائي كان الشعور الطاغي عليّ هو الفضول لمعرفة أي سؤال سيأتي. كان الأمر أشبه بلعبة.
وبعد تدريب صغار المؤسسين طوال حياتهم على مثل هذه الألعاب لا عجب أن يكون دافعهم الأول عند تأسيس شركة ناشئة هو محاولة اكتشاف حيل الفوز في هذه اللعبة الجديدة. ولمّا يتراءى لهم أن جمع التمويل هو مقياس النجاح (خطأ شائع آخر يرتكبه المؤسسون المبتدئون)، فإنهم يركزون على تعلم حيل إقناع المستثمرين. فنقول لهم إن أفضل طريقة لإقناع المستثمرين هي أن تنشئ شركة تبلي حسنًا بالفعل، أي أن تحقق نموًا سريعًا ثم تخبر المستثمرين بذلك. فيسألون عن حيل النمو السريع، فنضطر لإخبارهم أن أفضل طريقة لذلك هي ببساطة تقديم شيء يحتاجه الناس.
شطر كبير من المحادثات التي يجريها شركاء YC مع صغار المؤسسين يبدأ بسؤال المؤسس "كيف نفعل كذا" ويرد الشريك بـ "ليس عليك سوى..."
لماذا يعقّد المؤسسون الأمور بهذه الدرجة؟ أدركت أنهم يبحثون عن الحيلة.
هذه إذًا النقطة الثالثة المخالفة للحدس التي يجب تذكرها بخصوص الشركات الناشئة: تأسيس شركة ناشئة أمر لا يجدي معه التلاعب بالنظام. قد يجدي التلاعب لو كنت تعمل بشركة كبيرة، فبقدر الخلل القائم بالشركة ستجد سبيلًا إلى التملق بالأشخاص المناسبين، أو إعطاء انطباع زائف عن إنتاجيتك وما إلى ذلك[2]. لكن هذا لا يجدي مع الشركات الناشئة، حيث لا رئيس لتخدعه، ليس أمامك سوى المستخدمين، وكل ما يهمهم هو مدى احتياجهم لمنتجك. إن الشركات الناشئة موضوعية تمامًا كالفيزياء، عليك أن تصنع يريده الناس، ولن تزدهر إلى على قدر تلبيتك لهذه الحاجة.
تكمن الخطورة في أن التزييف ينطلي على المستثمرين بدرجة ما. فلو كنت بارعًا للغاية في تنميق الحديث وإيهام الآخرين بقدر معرفتك فقد تخدع المستثمرين على الأقل في جولة أو حتى جولتَي تمويل. لكن هذا ليس في صالحك، فمصير الشركة النهائي محتوم، وكل ما تفعله هو إهدار وقتك في سوقها إلى حتفها.
كف عن البحث عن الحيل. بالتأكيد توجد حيل في عالم الشركات الناشئة، كأي مجال آخر، لكن أهميتها أقل بمراحل من المشكلة الحقيقية. إن المؤسس الذي لا يفقه شيئًا عن جمع التمويل لكنه صنع شيئا نال إعجاب المستخدمين سيسهل عليه جمع المال أكثر ممن يعلم كل حيلة في الكتاب لكن لا يرتفع لديه معدل المستخدمين. والأهم من ذلك أن المؤسس الذي قدم منتجًا أعجب المستخدمين هو مَن يسير على طريق النجاح بعد الحصول على التمويل.
مع أن الأمر قد يسوؤك من جهة أنك سُلبت أحد أقوى أسلحتك، فمن المثير للاهتمام أن التحايل لا يجدي بمجرد تأسيس الشركة. بل من المبهج حقًا أن توجد بقاع من العالم لا سبيل إلى النجاح فيها إلا بإتقان العمل. تخيل بؤس هذا العالم لو كان كله على شاكلة المدارس أو الشركات الكبرى، حيث تضطر إما لقضاء قدر كبير من الوقت في ترهات، أو أن يطغى عليك من يفعلون ذلك[3]. كنت سأغتبط لو أدركت وأنا في الجامعة أن هناك بقاع في العالم الحقيقي لا تعطي للتلاعب أهمية مقارنة بغيره، ومنها ما لا يكاد يهم فيها التلاعب أصلًا. هذه المساحات موجودة بالفعل، وهذا التباين من أهم ما يجب مراعاته عندما تفكر في مستقبلك. كيف تفوز في كل نوع من الأعمال، وكيف تود أن تنجح[4]؟
الاستنزاف
هذا يقودنا إلى النقطة الرابعة المخالفة للحدس: الشركات الناشئة تستنزف كل شيء. لو أسست شركة فستسيطر على حياتك بدرجة لا تتخيلها. وإن نجحت شركتك فستظل مسيطرة عليها وقتًا طويلًا: عدة سنوات على أقل تقدير، وقد يصل إلى عقد، وربما إلى بقية حياتك المهنية. فتنبه إذًا لعظم تكلفة الفرصة البديلة.
قد يبدو لاري بيج يعيش حياة يحسد عليها، لكن في حياته جوانب لا يحسد عليها أحد. ففي سن الخامسة والعشرين بدأ الركض بلا انقطاع، ولعله يشعر أنه لم يتوقف لالتقاط أنفاسه منذ ذلك. يحدث كل يوم في إمبراطورية جوجل مشكلة جديدة لا يمكن أن يتعامل معها سوى الرئيس التنفيذي، أي هو وحده مَن يتعين عليه معالجتها بما أنه الرئيس التنفيذي. وإن أخذ إجازة -وإن كانت أسبوعًا- تتراكم عليه مشكلات الأسبوع بأكمله. وعليه أن يتحمل كل هذا دون شكوى لأنه صاحب الشركة فلا يسعه أن يظهر خوفًا أو ضعفًا، ولأن المليارديرات لا يجدون أدنى تعاطف لو تحدثوا عن صعوبات حياتهم. وهذا ما يترتب عليه أثر جانبي غريب: صعوبة أن تكون مؤسس شركة ناشئة تخفى على الجميع إلا من جربها.
لقد موّلت Y Combinator حتى الآن عدة شركات يمكن وصفها بأنها نجاحات مبهرة، وفي كل حالة يقول المؤسسون الشيء نفسه: إن الصعوبة لا تقل أبدًا. إنما تتغير طبيعة المشكلات، فبدلًا من القلق من مكيّف الهواء المعطل في شقة الاستوديو التي تقطن بها، تغدو قلقًا من تأخيرات البناء في مكتبك بلندن. لكن حجم القلق الإجمالي لا يقل أبدًا، هذا إن لم يكن يزيد.
إن تأسيس شركة ناشئة ناجحة يشبه إنجاب أطفال، فهو بمثابة زر تضغط عليه فتتغير حياتك للأبد وبلا رجعة. ومع أن إنجاب أطفال أمر رائع بحق، فهناك أشياء كثيرة إنجازها قبل وجودهم أيسر من إنجازها معهم، وكثير منها سيجعلك أبًا أفضل مستقبلًا. وبما أنه يمكن تأجيل الضغط على الزر إلى حين، فأكثر الناس في البلدان الثرية يفعلون ذلك.
إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالشركات الناشئة نجد الكثيرين يظنون أنه يجب تأسيسها وهم بالجامعة. هل جننتم؟ وماذا عن منطق الجامعات؟ إنها تبذل جهدًا جبارًا لضمان تزويد طلابها بوسائل منع الحمل، وفي الوقت ذاته تنشئ برامج ريادة الأعمال وحاضنات الشركات الناشئة هنا وهناك.
ولكن حتى أكون منصفًا: الجامعات مجبرة على ذلك. فكثير من الطلاب الجدد مهتمون بالشركات الناشئة، ويُتوقع من الجامعات -على الأقل بحكم الواقع- أن تعدهم لحياتهم المهنية. فالطلاب الذين يرغبون في تأسيس شركات ناشئة يأملون أن تعلمهم الجامعات عنها. وسواء كانت الجامعات تستطيع ذلك أم لا، فإنه يقع على عاتقها ضغط لادعاء أنها تستطيع، وإلا سيغادرها المتقدمون إلى الجامعات الأخرى التي تدعي ذلك.
هل تستطيع الجامعات أن تعلّم الطلاب عن الشركات الناشئة؟ نعم ولا. يمكنها أن تدرّس معلومات عن الشركات الناشئة، لكن كما ذكرت سلفًا، ليس هذا ما تحتاج معرفته. أنت بحاجة إلى التعلم عن احتياجات المستخدمين، ولن تستطيع ذلك حتى تؤسس الشركة بالفعل[5]. إذًا، تأسيس شركة ناشئة في جوهره أمر لا يمكن تعلمه إلا بممارسته، وهذا محال في المرحلة الجامعية للسبب الذي وضحته للتو: أن الشركات الناشئة تسيطر على حياتك. لا يمكنك أن تؤسس شركة ناشئة حقيقية وأنت طالب، لأنك إن فعلت فلن تعود طالبًا. قد تظل طالبًا بالاسم لبعض الوقت، لكن هذا حتى لن يدوم طويلًا[6].
بالنظر إلى هذا الانقسام: أي المسارين تختار؟ أن تكون طالبًا حقيقيًا ولا تؤسس شركة ناشئة، أو أن تؤسس شركة حقيقية وتودّع الدراسة؟ الإجابة عندي: لا تبدأ شركة ناشئة وأنت بالجامعة. إن تأسيس شركة ما هو إلا جزء من مشكلة أكبر تحاول أن تحلها: كيف تعيش حياة طيبة؟ ومع أنها تبدو جزءً من الحياة الطيبة في نظر كثير من الطموحين، فسن العشرين ليس هو الوقت الأمثل لها. إن تأسيس شركة ناشئة كالبدء بالتوسع الرأسي، بينما أكثر الناس في سن العشرين يحتاجون إلى التوسع الأفقي أولًا.
مطلع العشرينات هو العمر الأمثل للقيام بأنشطة لن تؤديها بنفس الجودة قبله ولا بعده، كالانغماس في مشروعات بدافع نزوة عابرة، والسفر بتكلفة زهيدة دون التقيد بمواعيد نهائية. يرى غير الطموحين مثل هذه الأمور عجز عن الإطلاق، أما الطموحين فيرونه نوعًا من الاستكشاف لا يقدر بثمن. لو أسست شركة ناشئة وأنت في سن العشرين وحققت نجاحًا مرضيًا فلن تخوض هذه التجارب أبدًا[7].
لن يحظى مارك زوكربيرغ بفرصة التسكّع في بلد أجنبي أبدًا، لكنه في يده أمور أخرى لا يستطيعها أكثر الناس، كاستئجار الطائرات لتقله إلى أي بلد. إلا أن النجاح قد سلب من حياته كثيرًا من الفرص العفوية والصدف السعيدة، ففيسبوك يتحكم فيه بقدر ما يتحكم هو فيه. ومع أنه قد يكون رائعًا أن تكون في قبضة مشروع تعده إنجاز عمرك، فللصدف السعيدة مزايا أيضًا، خاصة في مقتبل عمرك. فهي مثلًا، من بين أشياء أخرى، تفتح عينيك على خيارات متعددة قبل تحديد المسار الذي تسلكه وتكرّس له عمرك.
وهنا لا توجد مقايضات حتى، فلن تضحي بأي شيء بامتناعك عن تأسيس شركة ناشئة في سن العشرين، لزيادة احتمالية نجاحك لو تريّثت. ولو حدث -وهي حالة نادرة- وانطلق أحد مشروعاتك الجانبية وحقق نجاحًا باهرًا مثل فيسبوك وأنت في العشرين، فسيتعين المفاضلة بين الاستمرار فيه أم تركه، والمنطقي حينها أن تمضي فيه. لكن الشركات الناشئة لا تنطلق من تلقاء نفسها، بل يسعى المؤسسون جاهدين لتحقيق ذلك، ومن الحماقة أن تفعل ذلك في سن العشرين.
التجربة
هل يجدر أن تخوض التجربة في أي عمر كنت؟ أعلم أني صعّبت الأمر، وإن لم أفعل فسأحول مجددًا: تأسيس شركة ناشئة أمر صعب، بل بالغ الصعوبة. كيف تعرف لو كنت مؤهلًا لهذا التحدي؟
الإجابة هي النقطة السادسة المخالفة للحدس: لا سبيل إلى معرفة ذلك. ربما منحتك تجاربك حتى الآن فكرة عن فرصك لو سعيت لأن تصبح عالم رياضيات أو لاعب كرة قدم محترف. لكن ما لم تعش حياة غريبة للغاية فإنك لم تجرب ما يشبه حياة مؤسس الشركة الناشئة. سيغيرك تأسيس شركة ناشئة كثيرًا، ولذا فالأمر لا يتعلق بتقدير قدراتك الحالية، بل ما ستغدو عليه في المستقبل، ومَن يستطيع ذلك؟
كان عملي على مدار السنوات التسع الماضية أن أتنبأ بما إن كان الناس يتمتعون بمقومات تأسيس شركات ناشئة ناجحة. من السهل معرفة قدر ذكائهم، وأكثر الذين يقرأون هذه المقالة سيكونون على نفس القدر أو يتجاوزونه. أما الجزء الصعب فكان توقع قدر صرامتهم وطموحهم. لا أظن أن أحدًا يفوقني خبرة في التنبؤ بذلك، وبالتالي سأخبركم بما قد يعرفه الخبير، والإجابة هي: ليس كثيرًا. لقد صرت ذا عقلية منفتحة بشأن الشركات الناشئة في كل دفعة التي ستكون نجمًا ساطعًا.
أحيانًا يظن المؤسسون أنهم يعلمون. فبعضهم يأتي وهو متيقن أنه سيتفوق في اختبار Y Combinator كما تفوق فيما قبله من الاختبارات (القليلة، والمصطنعة، والسهلة) التي واجهها في حياته حتى الآن. وبعضهم يأتي متسائلًا كيف وصل إلى هنا أصلًا، آملا ألا تكتشف الحاضنة الخطأ الذي أدى لقبولهم. لكن ليس هناك علاقة تذكر بين المواقف الأولية للمؤسسين وجودة أداء شركاتهم.
قرأت سابقًا أن هذه الفكرة تنطبق على العسكرية، فالمجندون المزهوون ليسوا أكثر جلدًا من الهادئين. ولعل السبب واحد: أن الاختبارات التي يخضعون لها مختلفة تمامًا عما مروا به في سابق حياتهم.
لو كنت مذعورًا من فكرة تأسيس شركة ناشئة فربما عليك ألا تقدم على الأمر. أما إن كنت غير متيقن فحسب من مدى استعدادك، فلا سبيل للتيقن إلا بالتجربة، لكن ليس الآن.
الأفكار
لو كنت ترغب إذًا في تأسيس شركة ناشئة يومًا فماذا تفعل وأنت بالجامعة؟ لا تحتاج في البداية سوى لأمرين اثنين: فكرة، وشركاء مؤسسون. ومنهجية تحصيل كل منهما واحدة، والتي تقودنا إلى النقطة السادسة والأخيرة المخالفة للحدس: سبيل التوصل لأفكار الشركات الناشئة ليس محاولة التفكير فيها وتوليدها.
سبق أن كتبت مقالة مطولة حول هذا الموضوع، فلن أكرره كله هنا. لكن أقول بإيجاز: لو بذلت جهدًا واعيًا للتفكير في أفكار للشركات الناشئة، فلن تكون تلك الأفكار سيئة فحسب، بل سيئة ومنطقية في ظاهرها، ما يعني أنك ستهدر وقتًا طويلًا حتى تدرك سوءها.
سبيل لابتكار فكرة حسنة لشركة ناشئة يكمن في الرجوع خطوة إلى الخلف. فبدلًا من بذل جهد واعٍ للوصول إلى فكرة، درّب ذهنك على توليد الأفكار بعفوية دون أي جهد، حتى قد لا تدرك في البداية أنها أفكار شركات ناشئة.
وهذا ليس ممكنًا فحسب، بل كان بداية كل من آبل وياهو وجوجل وفيسبوك، فلم يُقصد تأسيس أي منها كشركة في بادئ الأمر، بل كانت مجرد مشروعات جانبية. وهكذا تبدأ أفضل الشركات الناشئة في الغالب، لأن الأفكار العظيمة تكون غالبًا نقاطا بالغة الغرابة لدرجة أن عقلك الواعي لن يسلم بكونها أفكارًا لشركات ناشئة.
كيف إذًا تدرب ذهنك على توليد الأفكار بعفوية؟ (1) تعلم الأمور المهمة بعمق (2) اعمل على المشكلات التي تثير اهتمامك (3) ومع مَن تحبهم وتحترمهم. والنقطة الثالثة -من باب ذكر الشيء بالشيء- هي ما توصلك إلى شركاء مؤسسين بالتزامن مع الفكرة.
حين كتبت هذه الفقرة أول مرة قلت "أتقن تقنية ما" عوضًا عن "تعلم الأمور المهمة بعمق"، لكن هذه الصيغة ضيقة رغم كونها كافية. لم يكن ما ميز برايان تشيسكي وجو جيبيا خبرتهما في التكنولوجيا، بل كانا بارعين في التصميم، ولعل الأهم مهارتهما في تنظيم المجموعات وقدرتهما على إنفاذ المشروعات. وبالتالي فليست العبرة في العمل على التكنولوجيا في حد ذاتها ما دمت تعالج مشكلات شاقة بما يكفي لتوسيع قدراتك.
ما طبيعة هذه المشكلات؟ يصعب الإجابة على هذا السؤال بشكل عام. التاريخ مليء بأمثلة لشباب كانوا يعملون على مشكلات مهمة لم يخطر لأحد على بال آنذاك أنها مهمة، لا سيما آباؤهم. لكنه مليء أيضًا بأمثلة أكثر بكثير عن آباء ظنوا أبناءهم يضيّعون وقتهم وكانوا على حق. فكيف تعرف إذًا إن كنت تعمل على شيء مُجدٍ؟[8]
أنا أعرف: المشكلات الحقيقية مثيرة للاهتمام، وأنا شخص أنساق وراء هواي، بمعنى أني أريد دائمًا أن أعمل على أشياء مثيرة للاهتمام وإن لم يكن أحد آخر يهتم بها (بل خاصة إن لم يكن أحد يهتم بها)، ويصعب عليّ العمل على أشياء مملة، وإن كان يُفترض أنها مهمة.
حياتي مليئة بحالات حيث عكفت على أشياء لمجرد أنها أثارت اهتمامي، ثم يتبين لاحقًا أنها مفيدة عمليًا. Y Combinator نفسها لم تنشأ سوى لأنها أثارت اهتمامي. لعلي أمتلك نوعًا من البوصلة الداخلية التي توجهني، لكني لا أعلم ما يدور برؤوس الآخرين. ربما لو أمعنت التفكير لتوصلت إلى استدلالات للتعرف على المشكلات المثيرة للاهتمام، لكن أقصى ما أقدمه في اللحظة هي النصيحة المنطوية على "المصادرة على المطلوب" بأنك لو كنت تملك حسًا لتمييز تلك المشكلات، فإن الانغماس فيها بكل طاقة أفضل طريقة لإعداد نفسك للشركة الناشئة. ولعله أفضل طريقة للعيش أيضًا.[9]
لكن مع أني لا أستطيع أن أعرف بوجه عام ما يعد مشكلة مثيرة للاهتمام، فبوسعي أن أصف لكم جانبًا كبيرًا منها. لو تصورنا التكنولوجيا كبقعة تنتشر كنمط هندسي متكرر، فكل نقطة متحركة فيها تمثل مشكلة مثيرة للاهتمام. وبالتالي فمن الطرق المضمونة لتدريب ذهنك على توليد الأفكار الحسنة أن تضع نفسك في خط المواجهة الأول لتقنية ما، أي أن "تعيش في المستقبل" على حد تعبير بول بوشيت. وعندما تبلغ هذه المرحلة، فالأفكار التي يراها الناس سابقة لعصرها ستبدو لك بديهية. قد لا تدرك أنها أفكار شركات ناشئة، لكنك تعلم أنها يجب أن توجد.
على سبيل المثال، في منتصف التسعينات بجامعة هارفارد طور زميل لصديقيّ روبرت وتريفور بالدراسات العليا برنامجًا لنقل الصوت عبر الإنترنت. لم يكن ينوي تحويل الفكرة إلى شركة ناشئة، ولم يحاول أصلًا، بل كان كل همه أن يحادث صديقته في تايوان دون أن يتحمل رسوم المكالمات الخارجية. وبما أنه كان خبيرًا في الشبكات فكان بدهيا بالنسبة له أن الحل هو تحويل الصوت إلى حزم وإرسالها عبر الإنترنت. لم يستخدم برنامجه ذلك سوى في محادثة صديقته، وهذه بالضبط طريقة نشوء أفضل الشركات الناشئة.
من الغريب حقًا أن أمثل ما تشتغل في المرحلة الجامعية لو كنت تروم النجاح في تأسيس شركة ليس هو التعليم المهني الذي يركز على "ريادة الأعمال"، بل التعليم التقليدي في حد ذاته. لو أردت أن تؤسس شركة ناشئة بعد الجامعة فما عليك سوى أن تحصل معارف قوية وعميقة. ولو كنت تتمتع بفضول فكري حقيقي فستميل طبيعيا إليها لو تابعت ميولك[10].
إن أهم مكوّن في ريادة الأعمال هو الخبرة في المجال. سبيل اللحاق بلاري بيج هو جني الخبرة في البحث، وسبيل جني الخبرة في البحث أن يكون دافعك الفضول الحقيقي، وليس مجرد دافع خفي.
تعد الشركات الناشئة، في أفضل حالاتها، دافعًا خفيًا للفضول. وستحقق أفضل النتائج لو نحّيت هذا الدافع جانبًا حتى نهاية العملية.
ختام نصائحي لصغار المؤسسين الطموحين يتلخص في: تعلم.
المصدر:
https://paulgraham.com/before.html
[1] بعض المؤسسن ينصتون أكثر من غيرهم، وهذا في الغالب مؤشر على النجاح. مما أستحضره عن مؤسسي Airbnbs خلال البرنامج أنهم كانوا ينصتون بانتباه شديد.
[2] هذا في الواقع أحد أسباب إمكانية وجود الشركات الناشئة، فلو لم تعاني الشركات الكبرى من أوجه قصور داخلية، لارتفعت فعاليتها بما يناسب حجمها، مما يضيّق المجال على الشركات الناشئة.
[3] تفرض الشركات الناشئة على المرء أن يقضي وقتًا طويلًا في مهام مرهقة ومضنية، هذا النوع من المهام بلا بريق لكنه ليس زائفًا.
[4] ماذا تفعل لو كان شغفك يدعوك التلاعب بالنظام؟ اطلب استشارة إدارية.
[5] قد لا تكون الشركة مسجلة رسميًا، لكن لو بدأت تتدفق أعداد المستخدمين بكثرة فقد أسستها بالفعل، أدركت ذلك أم لم تدركه.
[6] لا غرابة في أن الجامعات لا تستطيع أن تعلم طلابها كيف يكونوا مؤسسي شركات ناشئة ناجحين، لأنها لا تستطيع تعليمهم كيف يكونوا موظفين ناجحين أيضًا.
إن تأهيل الجامعات الطلاب للتوظيف يتمثل في إحالة المهمة إلى الشركات عبر البرامج التدريبية. لكن لا يمكن فعل ما يماثله بالنسبة للشركات الناشئة، لأنه بطبيعة الحال لو وُفق الطلاب فلن يعودوا لاستكمال الدراسة أبدًا.
[7] كان تشارلز داروين في الثانية والعشرين من عمره حين تلقى دعوة للسفر على متن سفينة بيغل بصفته عالم طبيعة. ولم يقبل الدعوة إلا لأنه كان متفرغًا بلا عمل لدرجة قلق عائلته من الأمر. ولعله لو لم يقبلها لما سمعنا اسمه قط.
[8] قد يكون الآباء أحيانًا متحفظين أحيانا بشان هذا الأمر، لأن البعض يقتصر تعريفهم للمشكلات المثيرة للاهتمام على المسار الموجه لكلية الطب.
[9] توصلت إلى قاعدة استدلالية لمعرفة ما إن كنت تميل إلى الأفكار المثيرة للاهتمام: لو وجدت الأفكار المعروفة المملة لا تطاق. هل تطيق مثلا دراسة النظريات الأدبية، أو العمل في الإدارة الوسطى في شركة كبرى؟
[10] في الواقع، لو هدفك هو تأسيس شركة ناشئة، فيمكنك أن تلتزم بمفهوم التعليم الحر أكثر من الأجيال السابقة حتى. حين كان الطلاب يركزون بشكل أساسي على نيل وظيفة بعد التخرج، كانوا يهتمون بنظرة صاحب العمل للمساقات التي درسوها. بل وربما الأسوأ أنهم يحجمون عن دراسة المواد الصعبة خوفًا من الحصول على درجات متدنية، مما يضر بالمعدل التراكمي المهم للغاية. إليك خبر سار: لا يكترث المستخدمون بمعدلك التراكمي، ولم أسمع قط عن مستثمرين يكترثون به. وبكل تأكيد لا تسأل Y Combinator أبدًا عن المواد التي درستها في الجامعة أو عن درجاتك.
